محمد بن جرير الطبري
261
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله عز وجلّ والطبع ( 1 ) ، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك ، ولا للكفر منها مَخْلَص ، فذلك هو الطَّبع . والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله : ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) ، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف ، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها . فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم ، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها . ويقال لقائلي القول الثاني ، الزاعمين أنّ معنى قوله جل ثناؤه " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " ، هو وَصْفُهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دُعوا إليه من الإقرار بالحق تكبُّرًا : أخبرونا عن استكبار الذين وَصَفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة ، وإعراضِهم عن الإقرار بما دُعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللَّواحق به - أفعلٌ منهم ، أم فعلٌ من الله تعالى ذكرُه بهم ؟ فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم - وذلك قولهم - قيل لهم : فإنّ الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي خَتم على قلوبهم وسمْعهم . وكيف يجوز أن يكون إعراضُ الكافرِ عن الإيمان ، وتكبُّره عن الإقرار به - وهو فعله عندكم - خَتمًا من الله على قلبه وسمعه ، وختمهُ على قَلبه وسَمْعه ، فعلُ الله عز وجل دُون الكافر ؟ فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك - لأن تكبُّرَه وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه ، فلما كان الختمُ سببًا لذلك ، جاز أن يسمى مُسَبِّبه به - تركوا قولَهم ، وأوجبوا أنّ الختمَ من الله على قلوب الكفار وأسماعهم ، معنًى غيرُ كفْرِ الكافِر ، وغيرُ تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به . وذلك دخولُ فيما أنكروه ( 2 ) .
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أغلفتها " في الموضعين ، والتصحيح من المخطوطة وابن كثير . ( 2 ) في المطبوعة : " وذلك دخول فيما أنكروه " .